manar
مشروع روائية

القيس ....

    الحج رحلة روحانية رائعة حقا، وقت مستقطع من زحمة الحياه ، فرصة لرؤية العالم في طريقك إلى مكة وفرصة لترى العالم كله في مكان واحد. مشهد بهيج و مهيب  ، تغلبنا الدموع شوقا إلية ، و تملؤنا الحماسة للحياة إن من الله علينا بأدائه ، فكيف بمن من الله علية بأن يعيشه و يتشربه و يؤقت حياة  علية  من مولدة حتى مماته ؟ لذلك قيل أن المكي كأسماك البحر لا يقوى على العيش في غير مكة .

       هذا العام وفد ثلاثة ملايين حاج إلى مكة المكرمة منذ بداية شهر ذي القعدة (قبل الحج بشهر). غادر  كثير من سكان مكة هربا من الإقامة الجبرية في المنزل التي يفرضها زحام الحجيج في الشوارع الرئيسية ، فكان أن خلت أحياء مكة البعيدة من السكان و ازدحمت القريبة من الحرم بالحجيج ..

       وقد أخلى معظم سكان مكة محدودي الدخل جزء من منازلهم كالعادة لاستقبال الحجاج و خصص بعض الأغنياء  مباني كاملة للحجيج  لا يشغلها أحد غيرهم طوال العام و جهزت المنازل بالسرر و الحراس و طفايات الحريق و أجهزة إنذار الحريق. زارت لجنة إسكان الحجاج منزلنا و المنازل المخصصة لإسكان الحجيج و لم يحصل جارنا على تصريح للأسف لان منزله المكون من ثلاث طوابق لا يحتوي على مصعد.

       سكن أفراد الشرطة القادمون من جميع مناطق المملكة المدارس ، و بعض أفراد الجيش و القوات الخاصة ففي الحج يفد أيضا بعض المجرمين والقتلة و  الإرهابيين إلى مكة  ففي العام الماضي قتل أحد أفراد الشرطة المرابطين في حي العزيزة  برصاص مجهول ولم يعرف القاتل حتى اليوم ، يمكنني أن أتخيل كم يصعب معرفه القاتل في حي استغرقت 5 ساعات في عبوره بالسيارة في حج العام الماضي للوصول إلى الجمرات لشدة الزحام ، هل تتخيل أن ثلاثة ملاين إنسان يتجهون إلى مكان واحد في نفس الوقت ؟

      في أيام الحج تعمل نسبة كبيرة من سكان  مكة وبعض الوافدين إليها بغرض العمل أو التطوع  في فترة الحج .يعملون  لأكثر من 14 ساعة في البنوك ، و المستشفيات  ، و في وزارة الحج ، في حراسة الحجيج ، في قيادة وسائل النقل ولا يعود معظمهم  إلى منازلهم عند بداية الشعائر حتى اليوم الأخير منها مما يعني النوم في موقع العمل أو في السيارة كما تتطوع نسبة كبيرة من الكشافة الصغار(من جيع انحاء المملكة ) لإرشاد الحجيج  ، و إرشاد الحجيج عمل مستمر طوال ساعات الليل و النهار مع تخصيص بضع ساعات للراحة و النوم .

      في اليوم الرابع من شهر ذي الحجة كالعادة زارتنا الجارة وبناتها لإعداد المعمول و هو نوع من الطعام يحضر فقط في الحج يتكون من العجين  و التمر يقولب في قوالب و يخبز في الفرن  و "الغُرْيبة " المصنوعة من العجين المحلى بالسكر . أخبرتني أمي  في صغري أن سبب هذه العادة أن مكة في الماضي كانت تخلو تماما إلا من النساء  يوم التاسع من ذي الحجة ( يوم عرفة) و قد يغيب بعض الرجال منذ الثامن من ذي الحجة  فتغلق المخابز و المحلات و لا يعود هنالك من طعام غير المعمول الذي يخبز ليكون الغذاء الرئيسي في  الحج  ، فالرجال و المراهقون من الصبيان يعملون أو يتطوعون كلهم في الحج لخدمة الحجيج  أو يحجون و يبقى  عديمي الضمير من الرجال الذين يتربصون بالنساء في هذا اليوم بغرض السرقة ، في صغري شهدت خلو الشوارع وحتى الحرم من الرجال ، فلا تجد غير النساء في الشوارع و في  الحرم يذهبن جماعات إلى الحرم وقت العصر و يتناولن طعام الإفطار فيه ( باعتبار أنه يوم فضيل يشرع الصيام فيه ) و يصلين المغرب و العشاء في الحرم ، ثم يعمدن إلى شراء الألعاب للأطفال و الطبول و "النقل" من سوق" المدعة " وهو سوق مقابل للمسعى ، و يجتمعن في بيت واحد و يتنكرن بملابس الرجال يقرعن الطبول و ينشدن عدد من الأغاني الشعبية طوال الليل لتخويف المتربصين و للتسلية

يا قيسنا ياقيسنا                       هيا معانا بيتنا

نسقيك من شربيتنا                   و نطلعك في بيتنا

و القيس هو السهرة النسائية يوم عرفة و يسمى أيضا بالخُليف

و ينشدن أيضا للعسا

يا قيسنا يا قيسنا

يا قيسنا يا قيس

الناس حجوا

وأنت قاعد ليش؟

الليلة نفرة

قوم ادبح التيس

قوم روح لبيتك

قوم اخبز العيش

و

الليلة و الله ما نروح                   الليلة ندبح الخروف

    في الماضي البعيد كن يخرجن إلى الأزقة في جماعة و يطفن بها حتى لا يجرؤ سارق على الدخول إلى الحارة ، بالرغم من وجود العسا الذي يبقى لحراسة النساء ، في الوقت الحاضر تبقى نسبة من الرجال في مكة لكن العباءة السوداء تبقى مسيطرة على الشوارع و ساحات الحرم في  يوم عرفة ، و هو عيدنا فالخروج يوم العيد هو أمر شبه مستحيل بسبب الأعداد الهائلة من الحجاج .

     في اليوم الخامس من الشهر خرجت إلى الشارع مشيا لأن استعمال السيارة يعني أن أقضي ساعة أو ساعتين لأقطع مسافة 3 كيلو !! (يشتري الشباب دراجات نارية لاستعمالها في فترة الحج ) ، خرجت لأتمتع بمنظر الحجيج لأرى كل الحضارات في مكان واحد ، بالرغم أنه يفترض بالحجيج الحضور لمكة بالإحرام لكن معظمهم يصرون على ارتداء اللباس التقليدي بالرغم من جهود الحكومة  لتثقيف الحجاج بأحكام الحج ، على كل هو مشهد رائع  بحق  تشتاق له القلوب  و تدمع الأعين فرحا بالضيوف وشوقا للحج . 

     مع اطلالة الحج كل عام تختفي  بضاعة محلات الأقمشة و الأحذية و السوبر ماركت و حتى أجزاء من الصيدليات لتحل محلها تذكارات و لوازم الحجيج من  أقمشة تحمل روائح ثقافات مختلفة  و أحاريم و غيرها  ويهرع المراهقين للحصول على تصاريح لعمل (بسطات )لتحضير الطعام للحجاج و تقديم خدمات مختلفة للحجيج ، من المدهش أن الباعة المكيون يتكلمون أكثر من لغة  أو يتحدثون بلغة السوق كما يسميها المكيون و اللغات الأكثر شيوعا هيا الأوردو و الهوساوية و الإيرانية و الانجليزية والاندونيسية و قد يتقنها البعض بشكل كامل بسبب التعامل الدائم مع الحجاج و المعتمرين و أذكر أن احد أقاربي الكبار في السن كان يتحدث سبع لغات وقد حدث و سمعت والدي يتحدث بعدة لغات في مناسبات مختلفة ، و قد دخلت بعض الكلمات الأجنبية في كلام المكيين حتى أن بعض كبار السن لا يدركون أنها كلمات أجنبية .

      صادفت في طريقي عدد من الحجاج التائهين المصابين بالرعب لأنه يصعب كثيرا أن تعرف أين أنت وسط آلاف  الناس الذين حضروا من بلدان غير متحضرة يجهلون النظام و يسيرون بين السيارات في الشوارع و ينام بعضهم على الأرصفة بالرغم من توفر المساكن مما يزيد من الزحام أذكر أني أصبت بنوبة بكاء حينما حاولت زيارة منزل أقاربي الذي يبعد ربع ساعة فاستغرقت ثلاث ساعات فأصيب السائق الاندونيسي بالجنون و بدأ يشتم ، كم تمنيت يومها لو أنصت لأمي وبقيت في البيت.. و على رأي المثل المكي ( اللي ما يسمع كلام الكبير يطيح في البير ).

 و سلامتكم

 

 *(تطلق كلمه المرابطة على العمل في الحج تيمنا بمرابطة المجاهدين ابتغاء أجر خدمة الحجاج) 

(2) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 08 يناير, 2008 08:37 م , من قبل crazzzzymind
من المملكة العربية السعودية

يا سلاااااااااااااام

مقالة جميلة جدا جدا

وذكرتني ببيت جدي رحمه الله في ( الفلق ) وهو وقف لوجه الله .

تسلم الايادي يا منار وفعلا اهل مكه ادرى بشعابها ^_^


اضيف في 08 يناير, 2008 09:48 م , من قبل tito781
من مصر

جميل جدا موضوعك تسلم ايدك
تقبلى مرورى
امضاء
(شاعرالرومانسية)
تيــ تامر ــتو




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية